العمليات الفدائية

أجاز الكثير من العلماء للمسلم أن يتعمَّد قتل نفسه فداءً، وحرّم ذلك آخرون، ومنهم سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان وفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ. وكلّ ما وقع بين الحلّ والحرمة في خلافٍ معتَبر فهو شبهة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إنَّ الحلال بيِّن وإنَّ الحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقَى الشبهات استبرأ لدِينه وعِرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام}(متفق عليه) لذلك يجب اجتناب الشبهات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك}(صحيح الجامع وابن خزيمة وابن حبان) {اجعلوا بينكم وبين الحرام سترًا من الحلال}(صحيح الجامع وابن حبان) والتساهل في الشبهات هو من أحوال غير المتَّقين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يدَعَ ما لا بأس به حذرًا لما به البأس}(حسّنه الترمذي وصحَّحه الحاكم والذهبي) فلو أنَّ الخلاف معتَبر في مسألة سماع الغناء والمعازف وحلق اللحية أو تقصيرها وإسبال ثوب الرجل بلا خيلاء وكشف وجه المرأة أمام الأجانب لَكان أقلّ أحوالها أنَّها مشتبهات يجب اجتنابها والحذر منها، ولكن النصوص الصحيحة صريحة في التحريم، لذلك لا عبرة بالخلاف، ومَن علِم حُجَّة على مَن لم يعلم، وكذلك الأمر في هذه المسألة.

وهذا البحث فيه إثبات خطأ القول بالجواز، وقد حرَّم الشرع على المسلم أن يتعمَّد قتل نفسه، قال الله تعالى: } ولا تقتلوا أنفسكم إنَّ الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا وكان ذلك على الله يسيرا {(29-30 النساء) وقوله: } عدوانـًا وظلمًا { يستثني مَن قتَل نفسه أو أخيه خطأً، ويستثني القتل حدًّا أو تعزيرا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكّينًا فحزَّ بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرَّمت عليه الجَنَّة}(صحيح البخاري) وقال: {من قتَل نفسه بشيء عُذِّب به في نار جهنَّم}(متفق عليه) وهذا يشمل كلّ من تعمّد قتل نفسه بلا استثناء ودون اعتبارٍ لدوافعه ومقاصده ما دام قد قتَل نفسه باختياره لا خطأً ولا إكراهًا، لأنّ (مَن) تفيد العموم لكلّ ما دخلت عليه، ولأنّ النهي والوعيد متعلِّق بذات العمل لا بالدوافع والمقاصد، فكلّ مَن قتَل نفسه باختياره يكون قد وقَع في الحرام وتعدَّى وظلَم نفسه بفِعله ما نهى الله عنه } ولا تقتلوا أنفسكم { فصار بذلك مستحقًّا للوعيد الشديد في النصوص السابقة، غير أنَّه يُرجَى لمن قتَل نفسه فداءً معتقدًا جواز ذلك أن يسلم من العقوبة، والنيّة الصالحة والمصلحة الراجحة لا تحلاّن حرامًا ولا بدعة.

قيل: إنَّ المقاتل قد تسبَّب في قتل نفسه، والتسبّب في القتل له حكم القتل المباشر. قلت: لا يصحّ القياس بين التسبّب في القتل بقصد وبغير قصد. ومَن تسبّب في قتل أحدٍ عمدًا كان قاتلاً، فإن كان المقتول الذي تسبَّب هذا القاتل في قتله هو نفسه صحَّ القول بأنَّه قتَل نفسه متعمّدًا، وأنَّه قد بادر بنفسه إلى ربِّه عزَّ وجلَّ لأنّه لم ينتظر حكم الله عليه بالموت أو أن يتفضّل الله عليه بالفرَج أو النصر أو الشهادة. ولا يصحّ هذا القول في المقاتل إذا قُتل؛ فلا يمكننا القول بأنّه قتَل نفسه متعمّدًا، وهو قد يصيب نفسه خطأً، والخطأ غير العمْد.

وكذلك لا يصحّ القول بأنّه بادر بنفسه، فالمقاتل وإن كان يبتغي القتل والموت مظانـَّه ويرجو ويتمنَّى الشهادة فهو ينتظر ذلك فضلاً وكرمًا من الله تعالى، قال سبحانه: } مِن المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضَى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا {(23 الأحزاب) فوصَف الله تعالى من بقي منهم بأنَّه ينتظر، وهو ثابت على العهد والقتال، والانتظار ينافي المبادرة المحرّمة.

ومثل ذلك يُقال في كلّ العمليات الفدائية المشروعة والتي احتجُّوا بها خطأً للدلالة على جواز أن يتعمّد المسلم قتل نفسه فداءً، ومنها تترّس أبي طلحة t على النبي صلى الله عليه وسلم، ونوم عليّ t في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة واقتحام الواحد على الجيش الكثير وحده حاسرًا بلا درع. فانتظار فضل الله عزَّ وجلّ وحكمه وقضائه بين القيام بالعمل وحصول المطلوب هو لازم من لوازم العمليات القتالية والفدائية المشروعة لأنّه ينافي المبادرة، وعدمه يعني المبادرة المحرّمة } بادرني عبدي بنفسه حرَّمت عليه الجَنَّة {. والذي تعمّد قتل نفسه فداءً لا يتضمّن فِعله الانتظار بين القيام بالعمل وحصول المطلوب، بل هو قد قتَل نفسه باختياره وبادر بنفسه إلى ربّه عزَّ وجلّ.

واحتجُّوا بمسألة البيات والتترّس ولا حجّة لهم فيهما، بل فيهما توضيحٌ أكثر للفرق بين المقاتل ومَن تعمّد قتل نفسه فداءً؛ فقد حرَّم الإسلام على المسلم أن يتعمَّد قتل نساء وأطفال العدوّ غير المحاربين، وأجاز عملية البيات مع ما فيها من التسبُّب في قتلهم، فهو قد أجاز التسبُّب في قتلهم بعملية البيات وحرَّم قصد القتل العمد ولو كان ذلك في أثناء عملية البيات، وكذلك هو قد أجاز للمسلم أن يتسبّب في قتل نفسه بالقتال وحرّم عليه أن يتعمّد قتل نفسه ولو كان ذلك في أثناء القتال، فجواز التسبّب في القتل لا يدلّ على جواز القتل العمد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنَّ جيش الكفَّار إذا تترَّسوا بمن عندهم من أسرَى المسلمين وخِيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتِلوا فإنَّهم يقاتِلون وإن أفضَى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترَّسوا بهم) وهذا لا يعني جواز أن يتعمّدوا قتل إخوانهم! بل اتفق العلماء على أنَّ القتل في مسألة التترُّس إنَّما يجوز بالتسبُّب دون قصد القتل العمد.

وقول الله تعالى: } إنَّ الله اشترَى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجَنَّة يقاتِلون في سبيل الله فَيَقْتلون ويُقْتَلون { قد حدَّد كيف يبيع المؤمن نفسه وماله ليفوز بالجنَّة بأن يقاتِل بهما في سبيل الله تعالى فيَقْتُل من الأعداء ما شاء الله له أن يقتل حتَّى يتفضَّل الله عليه فَيُقْتَل، لذلك لا يصحّ الاستدلال بهذه الآية على جواز أن يتعمّد المسلم قتل نفسه فداءً، وقد سبق توضيح الفرق، وبه يبطل القياس.

واحتجَّ بعض العلماء بفِعل الغلام في قصَّة أصحاب الأخدود، وما قتَل الغلام نفسه وما سعَى إلى ذلك، بل أمَر الملك بقتله وبذَل الأسباب لذلك، فالغلام كان محكومًا عليه بالقتل، وفِعلُه كان اختيارًا لوسيلة القتل، بل كان إضافة (جَمْع الناس، وقول باسم الله ربّ الغلام) إلى أحد أبسط الأسباب التي كان يمكن أن يستخدمها الملك في قتله، وامتناعه عن ذلك لن يوقف الملك عن محاولة قتله بكلّ ما يستطيع، لذلك لا يصحّ القول بأنّ الغلام قتَل نفسه باختياره أو تسبَّب في قتل نفسه عمدًا أو دلّ على طريقة قتله أو أمَر بقتل نفسه.

والكلام كلّما كان أكثر تأكيدًا ودقّةً وتفصيلاً وكان صاحبه أكثر ثقةً وحزمًا وثباتًا كلّما كان أكثر مصداقية عند السامعين وأقلّ قابلية للشكّ والرفض، وهذا ما يحتاجه الغلام ليتمّ له ما أراده من هداية الناس، لذلك قال بمنتهى الثقة والتأكيد: {إنَّك لستَ بقاتلي حتَّى تفعل ما آمرك به . . .} وقد بنَى الغلام كلامه على الثقة وحسن الظنّ بالله تعالى والتوكّل عليه } ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه { وقال سبحانه في الحديث القدسي: } أنا عند ظنّ عبدي بي {(متفق عليه).

لذلك لا يصحّ الاستدلال بفِعل الغلام على جواز أن يتعمّد المسلم قتل نفسه فداءً، بل إنّ فِعل الغلام لا يدلّ على جواز أن يبادر المسلم بنفسه ويتعمَّد قتل نفسه إذا غلب على ظـنِّه أنّه مقتول، بل يدلّ على جواز أن يختار الوسيلة الأفضل من بين الوسائل التي قد يُقتَل بها.

فإن قيل إنّ الغلام هو الذي سمح بقتل نفسه وقد حفِظه الله وكان يمكنه الهرب، قلت: إنّ المقاتل أيضًا يمكنه الهرب، وهو أيضًا يسعى عدوّه إلى قتله، وكلاهما يُشرع له مواصلة العمل لإعلاء كلمة الله تعالى ولو غلب على ظـنّه أنّه مقتول، والغلام كان يريد هداية قومه، وسماحه بقتل نفسه وعدم سماحه سواء، فالملك لن يتركه يعمل في هداية الناس بحجّة أنّه لم يسمح له بقتله! فمواصلة سعي الغلام لتحقيق مراده تعني حتمًا مواصلة سعي الملك لقتله، وحِفظ الله تعالى للغلام محدود ينتهي بنهاية الأجل ووقوع السبب الذي قدّره الله تعالى لموته، فجنَّد الغلام سعي الملك لصالحه وصالح قومه، وذلك مكرٌ من الله له وتوفيق وتأييد، } ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه {.

وقول الرضيع لأُمِّه {اصبري} في قصَّة أصحاب الأخدود كان تثبيتًا من الله لها على الحقّ، أمَّا فِعل القتل فقد نسَبه الله تعالى إلى الكفَّار لا إلى المؤمنين، إذ قال سبحانه: } وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود { فلا يصحُّ بعد ذلك أن نقول بأنَّ المؤمنين قَتلوا أنفسهم! وإن كان كثيرٌ منهم قد ألقى بنفسه في النار مكرَهًا، فالإكراه يُسقِط الإثم، وفِعل المكرَه يُنسَب إلى مَن أكرَهَه كما في الآية السابقة.

وقول الصبيّ لأُمِّه {اقتحمي} في قصَّة ماشطة ابنة فرعون هو أيضًا أمرٌ بالثبات على الحقّ، فعبَّر بالنتيجة عن الفعل، والمعنَى أن تصبر وتثبت على الحقّ ولو كانت النتيجة احتراقها، والدليل على ذلك ما جاء في رواية ابن حبان: {اثبتي} وفي الروايات الأخرَى في صحيح ابن حبان والمستدرك للحاكم وصحَّحها ووافقه الذهبي وفي الجامع الصغير وصحَّحها الألباني وفي مسند أبي يعلى وصحّحها حسين أسد: {اصبري}، أمَّا رواية {اقتحمي} فهي في مسند الإمام أحمد وذكَر الأرنؤوط أنّ إسنادها حسن.

وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: {فاقتحمت} يعني أنَّها صبرت وثبتت على الحقّ حتَّى أُلقيت مع ولدها، وهنا أيضًا عبَّر بالنتيجة عن الفعل، والدليل قوله في رواية الحاكم وصحَّحها ووافقه الذهبي: {ثمَّ أُلقيت مع ولدها}.

ولا شكَّ ولا جدال في أنَّ العمل بقول الله تعالى: } وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّةٍ ومِن رباط الخيل تُرهِبون به عدوَّ الله وعدوَّكم { يجب ألاَّ يتعارض مع مبادئ الإسلام وتشريعاته ومنها تحريم قتل المسلم نفسه وتحريم قتل من لا يحلُّ قتله من نساء وأطفال العدوّ، وقد أخبرَنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القوَّة بعد أن قرَأ هذه الآية فقال: {ألا إنَّ القوَّة الرمي، ألا إنَّ القوَّة الرمي، ألا إنَّ القوَّة الرمي}(صحيح مسلم).

وكذلك قول الله تعالى: } ولا يطؤون موطِئًا يغيظ الكفَّار ولا ينالون من عدوٍّ نيلاً إلاَّ كُتِبَ لهم به عملٌ صالح { هو مشروطٌ بموافقة الشرع، فالعمل الذي يغيظ الكفَّار والنيل من العدوِّ لا يكون عملاً صالِحًا إذا خالف الشرع، فنحنُ لا يحلُّ لنا تعمُّد قتل نساء وأطفال العدوّ بحجَّة النيل منه إلاَّ إذا كانوا من المحارِبين، وكذلك لا يحلُّ للمسلم أن يتعمَّد قتل نفسه.

قيل: إنَّ الوسائل لها حكم المقاصد.

قلت: هذا إذا كانت الوسائل غير محرَّمة أو واجبة في ذاتها، فلا يصحُّ نقل الحكم من التحريم إلى الاستحباب أو الوجوب استنادًا إلى هذه القاعدة وحدها، انظر (القواعد والأصول الجامعة) في كتاب (الفوائد الجامعة).

وقول ابن الزبير (اقتلوني ومالِكًا) لا يعني أن يتعمّدوا قتله! بل هو فهمٌ واضح الخطأ والضلال، بل يعني أن يبادروا إلى قتل خصمه ولو كان في ذلك مقتله، فهذه المسألة قريبة الشبه بمسألة التترّس.

ومصادر التشريع أربع: الكتاب والسنّة الصحيحة ثمَّ القياس الصحيح والإجماع الذي لم يُسبق بما يخالفه، لذلك لن نلتفت إلى تلك الحجج الواهية التي لا تستند إلى هذه المصادر كالرؤى والكرامات والفوائد التي ظهرت لهذه العمليات وكثرة الذين أجازوها وكون تحريمها غير معقول في نظر البعض تعاطفًا مع الذين يقومون بها وتصريحات الأعداء التي تدلُّ على شدَّة هذه العمليات عليهم، فكلّ هذا وأمثاله لا عبرة به ولا وزن له في الحجَّة الشرعية. وعن الكرامات ذكَر العلماء أنّك لو رأيت الرجل يطير في الهواء أو يسير على الماء فاعرض منهجه على الكتاب والسنّة، فإن كان موافقًا لهما فهي كرامة.

أمَّا قتل النفس لمنع العدوِّ من الحصول على الأسرار فهو من الحذر، والحذر لا يُشرَع إلاّ بسببٍ مشروع يوافِقُ ضررًا غالِـبًا، وتعمُّد قتل المسلم نفسه ليس سببًا مشروعًا، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يُغْني حَذَر من قَدَر}(صحيح الجامع) لذلك كان على المسلم أن يسعى لتقوية إيمانه وثقته بالله U وتوكُّله عليه ويحسن الظنّ به } ومن يتوكَّل على الله فهو حسبُه إنَّ الله بالغ أمره قد جعَل الله لكلِّ شيءٍ قدرا {.

وأمَّا حكم: (لا يحلّ لأحد أن يفتي في مسائل الجهاد إلاّ من حضر الصفّ) فمِثله حكم: (لا يفتي في أمور الحجّ إلاّ من حضر الحجّ) فهذا مِن فِقه الواقع فلا يشمل كلّ المسائل المرتبطة بالجهاد أو الحجّ، بل هو محدود في المسائل المتعلّقة بواقع الجهاد وواقع الحجّ، فالوقوف بعرفة مثلاً كونه ركن أو واجب هذا غير متعلّق بواقع الحجّ، وكذلك قتل المسلم نفسه بقصد النكاية بالعدوّ حكمه غير متعلّق بحال المعركة بل هو حكمٌ ثابت، بخلاف الفرار من القتال مثلاً فحكمه مرتبط بحال المعركة ويتغيَّر بتغيُّر أحوالها، لذلك (لا يحلّ لأحد أن يفتي في هذه المسألة وأمثالها إلاّ مَن فقِه الواقع المرتبط بها).

والمقصود بقول الله سبحانه وتعالى: } والذين جاهدوا فينا لَنهدينَّهم سُبُلنا وإنَّ الله لَمَع المحسنين { هم العلماء الصالحون الأتقياء الورعون الذين عملوا بعلمهم في سبيل مرضاة الله U، قال تعالى: } واتقوا الله ويعلِّمكم الله { } ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه { } والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم { وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {كن ورعًا تكن أعبد الناس}(صحيح الجامع) {خير دينكم الورع}(صحيح الجامع) {وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عزَّ وجلّ}(صحيح الجامع).

ولا شكّ أنَّ مجاهدة النفس هي أقوَى أنواع الجهاد تأثيرًا في الأمَّة، لأنَّ الذنوب هي سبب كلّ بلاءٍ وهزيمةٍ وذلّ } أوَلَمَّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنَّى هذا؟! قل هو من عند أنفسكم إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير {(165 آل عمران) وهذا يعني أنَّ كلَّ مسلمٍ هو مسؤولٌ بأعماله وتصرّفاته وحالة قلبه عن ذلّ هذه الأمَّة وهزيمتها أو عزّها وتمكينها، فمن تعلّم وعمِل بعلمه في سبيل مرضاة الله تعالى صار من الذين تُنصر بهم الأمّة وتُعَزّ ولو لم يكن مقاتلاً، وقد يكون أقوى تأثيرًا في النصر من أكثر المقاتلين في أرض المعركة، ومَن تساهل في دين الله تعالى وفي الوقوع في الحرام والشبهات ولم يجاهد نفسه في ذات الله عزَّ وجلَّ صار من أسباب الضعف والهزيمة والذلّ ولو قاتل الأعداء بماله ونفسه.

 

من كتاب (الفوائد الجامعة)